فصل: مسألة الرجل يشهد عليه بأنه طلق امرأته ألبتة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الرجل يشهد عليه بأنه طلق امرأته ألبتة:

وسئل مالك عن الرجل يشهد عليه بأنه طلق امرأته ألبتة، وقد ماتت، أترى أن يرثها؟ قال: لا، هو حي، قيل له: أفرأيت إن مات هو، أترى أن ترثه؟ قال: ليس هي مثله، قال: نعم، ترثه. قاله سحنون: معناه إن الشهود كانوا قياما معه فلم يقوموا عليه حتى مات.
قال محمد بن رشد: قول سحنون: معناه إن الشهود كانوا قياما معه فلم يقوموا عليه حتى مات، ليس بصحيح، إذ لو كانوا قياما معه فلم يقوموا عليه حتى مات، لوجب أن يرث كل واحد منهما صاحبه؛ لأن شهادتهم كانت تبطل بترك قيامهم لها، وإنما وهم سحنون، في تفسير قول مالك: والله أعلم، لما وقع في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة من قول يحيى بن سعيد، في شهود شهدوا على رجل بعد موته، أنه طلق امرأته، لا تجوز شهادتهم إذا كانوا حضورا. ولامرأته الميراث، وكذلك لو كان يقول يحيى بن سعيد أيضا: لو ماتت هي، إن له الميراث، من أجل سقوط شهادة الشهود لحضورهم، فليس معنى مسألة مالك، إلا أن الشهود كانوا غيبا.
وكذلك وقع له في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، أن الشهود كانوا غيبا لا يتهمون، فمالك أحق بتبيين ما أراد، ووجه تفرقته بين ميراثها منه وميراثه منها هو أنه إذا كان هو الميت، فلم يعذر إليه في شهادة الشهود، ولعله لو أعذر إليه فيهم لأبطل شهادتهم، فرأى لها الميراث، من أجل أن الشهادة لا يجب الحكم بها إلا بعد الإعذار إلى المشهود عليه، وإن كانت هي الميتة، أمكن أن يعذر إليه، فإن عجز عن المدفع وجب الحكم بالطلاق يوم وقع، فلم يكن له ميراث منها.
وقال محمد بن المواز: إنما ورثته ولم يرثها لأنه كالمطلق في المرض؛ لأن الطلاق وقع يوم الحكم، ولو لم يقع يوم الحكم لكان فيه الحد. قال أبو إسحاق: وهو كلام فيه نظر؛ لأن الحاكم إنما ينظر شهادة البينة وهي تقول: إن الطلاق وقع قبل الموت، وأما درء الحد بالشبهة إما لنسيانه، وإما لإمكان أن يكون صادقا في إنكار الشهادة، ولو كان الطلاق وقع بعد الموت لورثها هو أيضا. والقياس أنها لا ترثه، كما لا يرثها؛ لأن الإعذار يجب إليهما جميعا، فكما لا يرثها وإن لم يعذر إليها، لا ترثه وإن لم تعذر إليه، وهو قول سحنون ويحيى بن عمر. وسيأتي في رسم بع من سماع عيسى طرف من هذا المعنى، وبالله التوفيق.

.مسألة العبد يتزوج المرأة فيطلقها فتتزوج فيريد أخذ ولده:

ومن كتاب سن رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ:
وسئل مالك عن العبد يتزوج المرأة فيطلقها، فتتزوج، فيريد أخذ ولده، فقال: شأن العبد في هذا إلى الضعف، ولعله يذهب به إلى بلدة أخرى فأرى أمه أحق به، وينظر في ذلك للولد. وقال الله عز وجل: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233]، قال ابن القاسم: إذا كان العبد مثل القائم في مال سيده التاجر، الذي له الكفاية، فأراه أحق بولده إذا تزوجت، وأما العبد الوغد الذي يخارج في السوق أو يبعثه سيده في الأسفار، فأرى أمه أحق به؛ لأن مثل هذا يأخذه إلى غير أهل ولا كفاية، وإن بيع العبد فانقطع به، رأيت أمه أحق به وغدا كان أو غير وغد؛ لأنه يؤخذ ماله ويذهب به في البلاد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة بين، وقول ابن القاسم صحيح لا وجه للقول فيه.

.مسألة بينه وبين ختنته كلام في امرأته فقال لها انقلي ابنتك إلى بيتك:

قال مالك: في رجل كانت بينه وبين ختنته كلام في امرأته، فقال لها: انقلي ابنتك إلى بيتك؟ ثم لقيها في الطريق، فدفع إليها دنانير، كانت لابنتها عنده، ثم قال: انقلي ابنتك إليك؟ ثم سئل بعد ذلك، فقال: لم أرد طلاقا. قال: يحلف بالله ما أراد طلاقا ولا نواه ثم ترد عليه امرأته ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الشبهة في أن يكون أراد بذلك الطلاق بينة، فإن لم يحلف دخل ذلك من الخلاف ما في مسألة من شهد عليه شاهد بالطلاق فنكل عن اليمين، حسبما مضى في أول رسم من هذا السماع. ولو أتى مستفتيا لم يجب عليه شيء ونوي دون يمين، والله الموفق.

.مسألة مس الطيب للمتوفى عنها زوجها:

قال مالك: في المرأة المتوفى عنها زوجها إنها لا تمس طيبا إذا كانت حاملا حتى تضع حملها، وإن قعدت سنين، وإنما مثل ذلك مثل ما لو أنها وضعت بعد ذلك بيوم، فمست فيه الطيب، فكما كانت تمس الطيب بعد يوم، إذا هي وضعت، فكذلك هي لا تمس الطيب وإن قعدت أكثر من أربعة أشهر وعشر حتى تضع حملها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل، وضع الحمل، لقول الله عز وجل: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]؛ لأنها آية خصصت قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 234]، الآية، وبينت أن المراد بها غير ذوات الأحمال، بدليل «قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ لسبيعة الأسلمية، وقد وضعت بعد وفاة زوجها بليال: قد حللت فانكحي ما شئت»، وهذا الحديث يرد قول من قال: إنها تعتد أقصى الأجلين، فوجب أن تحد طول عدتها طالت أو قصرت.

.مسألة اليتيم يكون عند الرجل فيأخذ نفقته:

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا:
قال: وسئل عن اليتيم يكون عند الرجل، فيأخذ نفقته، فيريد أن يخلطها بنفقته، ويكون طعامهما واحدا، كيف ترى فيه؟ قال: أنا أخبرك بالشأن فيه، إن كان يعلم أنه يفضل عليه، وأن الذي ينال اليتيم من طعامه، هو أفضل وأكثر من نفقته فلا أرى بذلك بأسا وإن كان لا ينال من ذلك الذي هو أفضل فلا يعجبني.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال والأصل فيه قول الله عز وجل: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220]، وقد مضى هذا المعنى في رسم شك.

.مسألة صالح امرأته وهي حامل وشرط عليها ألا نفقة لها:

ومن كتاب تأخير صلاة العشاء في الحرس:
وسئل مالك عن رجل صالح امرأته وهي حامل، وشرط عليها ألا نفقة لها حتى تضع حملها، فإذا وضعت حملها، أسلمته إليه، فإن طلبته بنفقته ورضاعه عليها حتى تفطمه، وإن لم تستقم له بذلك فهي امرأته، قال مالك: الصلح جائز، وكل ما اشترط عليها جائز، إلا ما اشترط أنها ترجع إليه، فلا ترجع إليه، وقد بانت منه.
قال محمد بن رشد: هذا كله كما قال لأن ما اشترط عليها أحق لها، فجاز أن يشترط عليها حاشا الرجعة، وقد مضى معناه وما بينه في رسم حلف قبل هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة الغلام الذي قد عرف السن وبلغ أن يطلق أيجوز طلاقه:

وسئل عن الغلام الذي قد عرف السن وبلغ أن يطلق، أيجوز طلاقه؟ قال: إن كان لم يبلغ الحلم، فلا أرى أن يجوز طلاقه، إلا أن يحتلم، إلا أن يكون ممن لا يحتلم، فإذا بلغ مبلغ الحلم، جاز ذلك عليه، ومن الناس من لا يحتلم أبدا.
قال محمد بن رشد: قد روى ابن وهب عن مالك، في المراهق إذا طلق، إن الطلاق يلزمه، ومثله في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق، في المناهز للحلم.
ومعنى ذلك، إذا كان قد أنبت فقال ابن وهب: لا يلزمه الطلاق حتى يحتلم، مثل قول مالك هاهنا، فهذا الاختلاف جار على اختلاف قوله في المدونة في الإنبات، هل يحكم له به بحكم الاحتلام أم لا؟ وهذا فيما يلزمه في الحكم الظاهر من الطلاق والحدود، وأما فيما بينه وبين الله، إذا أتى مستفتيا فلا يلزمه طلاق حتى يحتلم أو يبلغ حد سن الاحتلام، وذلك خمسة عشر عاما عند ابن وهب، وسبعة عشر عاما عند ابن القاسم، وثمانية عشر، على اختلاف قوله في ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة ينفق على ولده من امرأة قد طلقها:

ومن كتاب كتب عليه ذكر حق:
وسئل مالك عن الرجل ينفق على ولده من امرأة قد طلقها، ثم إن الغلام ورث مالا فأنفق عليه بعد ما ورث، ثم مات فأراد أن يحاسب الأم في ميراثها في مال الغلام، من يوم ورث المال، وأبت الأم، قال مالك: ذلك للأب أن يحاسبها من يوم ورث، ولا أرى على الأب يمينا للأم أنه قد أنفقه عليه من عنده إذا كان مقلا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة مثل التي تقدمت في رسم سلعة سماها، ولم يفرق فيها بين أن يكون المال عينا أو عرضا، كما فرق في أول رسم، فيحتمل أن يكون المعنى فيها أن الميراث لم يكن قبضه بعد، ولا صار بيده، وأن يكون قد قبضه واستنفقه وهو الأظهر، لقوله يحاسب الأم في ميراثها؛ لأن الأظهر في المحاسبة أن يكون قد ترتب في الذمم، لا يصح جوابه إلا على أحد هذين الوجهين. وقد مضى بيان هذا كله في أول السماع، والله الموفق.

.مسألة يطلق امرأته إلى أجل يسميه:

ومن كتاب سلعة سماها:
وسئل مالك عن الرجل يطلق امرأته إلى أجل يسميه، وإن أناسا قد اختلفوا في ذلك، وأن عطاء بن أبي رباح قد كان يقول ذلك، قال مالك: لا قول لعطاء ولا غيره، في أشباه هذه. المدينة دار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونقله الله إليها، وجعلها دار الهجرة، فأما ما ذكر من طلاق الرجل إلى أجل، وأن صاحب ذلك يستمتع بامرأته إلى ذلك الأجل، فإنا لم ندرك أحدا من علماء الناس يقول هذا. وهذا يشبه المتعة التي أرخص فيها من أرخص من أهل مكة وغيرهم، فإذا كان يجوز له أن يطلق امرأته إلى أجل شهر أو شهرين، ثم يصيبها بعد ذلك إلى الأجل، فهو يجوز أن ينكحها على مثل ذلك، ينكحها إلى شهر، ثم هي طالق. فهذه المتعة بعينها.
قال مالك: فإن كان هذا يجوز له، فإنه يجوز له أن يباري امرأته إلى شهر أو سنة، فيقول: آخذ منك هذا، ثم أصيبك إلى سنة ثم قد باريتك بما أخذت منك، ويجوز له أن يقاطع جاريته إلى رأس الهلال، ويقول: أصيبك إلى ما بيني وبين ذلك، ومما هو مثل ذلك، أن يكاتب الرجل جاريته، فيكتب لها الكتابة ويقطع عليها النجوم، ويشترط عليها شروط المكاتب، وعلى أني أصيبك سنة أو شهرا أو شهرين، ثم أنت حرام، فإن كان هذا وما يشبهه من الأشياء، ومن عمل الإسلام، ومما مضى عليه السلف، فقد صدق، وإن كان هذا وما يشبهه من الأشياء التي ذكرت مخالفا لما قالوا، وعلى ذلك مضى العمل، وبه مضت السنة فقد أبطل القوم.
قال محمد بن رشد: قياس قول مالك الطلاق إلى أجل في أن ذلك لا يجوز، على ما نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه من نكاح المتعة، وعلى المسائل التي ذكرها صحيح، لاتفاق المعنى في ذلك على ما ذكر. واستدلاله على صحة ذلك بأن الذي عليه أهل المدينة التي هي دار الهجرة، دليل على أن إجماعهم عنده حجة، فيما طريقه الاجتهاد، وأن اجتهادهم مقدم على اجتهاد غيرهم، والذي عليه أهل التحقيق، أن إجماعهم إنما يكون حجة فيما طريقه التوقيت، أو أن يكون الغالب منه أنه عن توقيت، كإسقاط زكاة الخضراوات؛ لأنه معلوم أنها كانت في وقت النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، ولم ينقل أنه أخذ منها الزكاة، فلما أجمع أهل المدينة على ذلك، وجب أن يعمل بما أجمعوا عليه من ذلك، وإن خالفهم فيه غيرهم.
ومثله الأذان الذي قد كان على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واتصل العمل به في المدينة، فوجب أن يعمل بما اتصل عملهم به في ذلك، وإن خالفهم فيه غيرهم، ومثل هذا كثير.

.مسألة يصدق المرأة صداقها فتشتري به متاعا ثم يطلقها قبل أن يجمعها إليه:

قال مالك: وذكرت ما أنكروا من قول أهل المدينة في الرجل يصدق المرأة صداقها، فتشتري به متاعا ثم يطلقها قبل أن يجمعها إليه، فأنكروا أن يكون للزوج نصف ما اشترت، وأن على الزوج إذا تزوج امرأة أن يسكنها بيتا، وليس له أن يسكنها بيتا لا سقف له، وليس له أن يسكنها بيتا ليس في ذلك البيت ما يصلحها مما يحتاجون إليه، وليس له أن يضربها، وإن الرجل إذا تزوج المرأة وأصدقها، كان عليه أن يتجهز له بما يصلح الناس في بيوتهم.
أما أن يكون الرجل مع أبويه فينتقل إلى بيت فيه من المتاع ما يصلح الناس: الفراش والقدح وما أشبه ذلك، مما لا يستغني الناس عنه، وإنما ينتقل إلى أهل وبيت، فيه ما يصلح من المتاع والفراش والقدح، وإن كان ذلك دنيا من الأمر أو مرتفعا تلك المصلحة، التي تصلح.
وإنما أعطيت الصداق لتتخذ ذلك، وتتخذ خادما، إن كان في الصداق ما يبلغ ذلك، فليس لها أن تأخذ الصداق، ولا تتخذ متاعها ولا خادما، فإن كان ذلك عليها أن تتخذ له ولها فاتخذت ذلك، ثم قدر له أن يطلقها، فليس عليها أن تغرم له شيئا إلا نصف ما اشترت مما يصلحه ويصلحها، مما لا غنى لهما عنه مما لو دخلت عليه، فإن كان الذي فعلت صوابا فليأخذ نصفه، وليس عليها الغرم، ولو كان عليها لم يصر بيدها شيء لو بيع ذلك المتاع، لم يأت بنصف ثمن ما أعطاها فإن قال الزوج: هي أدخلت هذا علي، فلو شاءت لم تشتر، فلو شاء هو عجل الطلاق، والصداق على هيئته، فيأخذ نصفه، أو طلقها قبل أن يبعث إليها.
قال محمد بن رشد: أنكر مالك على أهل العراق قولهم: إن الرجل إذا تزوج المرأة فعليه أن يسكنها بيتا له سقف، وعليه أن يضع فيه من ماله ما يصلح المرأة مما يحتاجون إليه، وما أنكروا على قول أهل المدينة، إن على الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول، أن يأخذ نصف ما اشترت بصداقها.
وذهب إلى أن المرأة يلزمها أن تتجهز من نقدها لزوجها بما يصلحه ويصلحها. قال: فإذا كان يجب ذلك عليهما، وجب عليه إذا طلقها بعد أن تجهزت، وقبل البناء بها أن يأخذ نصف ما اشترت، وقوله صحيح؛ لأنه قد أذن لها فيه وأدخلها فيه، إذ دفع إليها الصداق على ذلك بالعرف الجاري، فلو كان له أن يأخذ منها نصف ما نقدها، لباعت فيه جميع ما اشترت، فلم يبق بيدها شيء، فلم يكن لما أنكروا من قول أهل المدينة وجه.
وقد قال أبو يوسف للمغيرة في احتجاجه عليه: أرأيت إن اشترت المرأة بصداقها مزمارا أو أبواقا أيأخذ الرجل نصف ذلك؟ فقال له: أما عندنا فلا يتجهز النساء إلى أزواجهن بذلك، فإن كان عندكم يتجهز النساء بذلك إلى أزواجهن، لزمه أن يأخذ نصف ذلك، والله المعين.

.مسألة يتزوج وهو مريض:

قال مالك: إن من حجتنا في الذي يتزوج وهو مريض، أنه ليس لها ميراث؛ لأنه يمنع أن يطلق وهو مريض، فأنزل ذلك منه على وجه الضرر، فكما كان يمنع من الطلاق وهو مريض، لحق امرأته الثمن، فإنه لا ينبغي له أن يدخل عليها من ينقصها من ثمنها.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأن المعنى الذي من أجله لم يجز له أن يطلق في المرض، موجود في النكاح، فلا يجوز له أن يزيد على ورثتهم، كما لا يجوز له أن يخرج عنهم وارثا، والله الموفق.

.مسألة النصرانية تسلم وهي حامل ولها زوج نصراني:

وقال مالك: في النصرانية تسلم وهي حامل، ولها زوج نصراني، قال مالك: أرى أباه أحق به، ويكون الولد على دين أبيه، وهي أولى بحضانته ما كان صغيرا، وكذلك لو أنها أسلمت ولها ولد صغير، كان أبوه أحق به، ويكون على دينه، وإن ماتت بعد أن تلده لم ترثه.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب، إن الولد لا يكون مسلما إلا بإسلام أبيه، وقال ابن وهب: إنه مسلم بإسلام من أسلم من أبويه لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
ويؤيد قولَه قولُ النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه»، الحديث. على تأويل من جعل خبر المبتدأ في يولد على الفطرة؛ لأنه على هذا التأويل يقتضي للعموم في جميع المولودين، فلا يكون نصرانيا ولا يهوديا، إلا أن يكون أبواه جميعا على ذلك، وقد تكلمنا على هذا الحديث، واستوعبنا القول فيه، في كتاب أفردناه لذلك، فمن أحب الشفا من ذلك، فليقف على ما ذكرناه إن شاء الله وبه التوفيق.

.مسألة يحلف بطلاق امرأته فيشك في تعينه:

ومن كتاب أوله الشريكين يكون لهما مال:
وقال مالك: في الرجل يحلف بطلاق امرأته، فيشك في تعينه، فيقف ويسأل، ويستفتي ثم يتبين له حنثه. قال مالك: تعتد من حين وقف عنها، وليس من حين يتبين له. قيل لابن القاسم: فإن مات قبل ذلك أيتوارثان؟ قال: ينظر في يمينه، فإن كان لم يحنث فيها لم ترثه وإلا ورثته.
قال محمد بن رشد: قوله: إنها تعتد من حين وقف، وليس من حين يتبين له حنثه صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن العدة إنما تكون من يوم الطلاق، والطلاق إنما وقع عليه يوم الحنث، لا يوم تبين له أنه حنث؛ لأنه إنما تبين له اليوم أن الطلاق قد كان وقع عليه قبل حين وقف عنها، وقوله في الميراث: إنه ينظر في يمينه، فإن كان يحنث فيها لم ترثه، وإلا ورثته. وفي بعض الكتب، لم ترثه ولم يرثها ليس بخلاف لما تقدم في رسم طلق في الذي يشهد عليه الشهود، أنه طلق امرأته ألبتة، أنها ترثه، ولا يرثها، والفرق بين المسألتين أن الرجل في هذه لم يزل مقرا على نفسه بما أوجب عليه الطلاق، فوجب ألا يكون بينهما ميراث بعد وقوع الطلاق، ومسألة كتاب طلق شهد عليه الشهود، وهو منكر لشهادتهم، فوجب في ذلك الإعذار إليه، حسبما تقدم القول فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة حلف بطلاق امرأته واحدة ألا يفعل شيئا:

وقال مالك: في رجل حلف بطلاق امرأته واحدة ألا يفعل شيئا، أو أن يفعله، فيقع عليه الحنث، وهي في الدم. قال مالك: يجبر على رجعتها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الطلقة الواحدة، إذا لم يكن معها فداء، فهي رجعية، سواء وقعت بيمين أو بغير يمين.
ومن طلق امرأته واحدة في الحيضة أجبر على الرجعة بالسنة الثابتة في ذلك عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، قيل: ما دامت في العدة، وهو المشهور في المذهب، وقيل: ما لم تطهر ثم تحيض ثم تطهر، وهو قول أشهب، ومن أهل العلم من يرى أنه لا يجبر على الرجعة إلا ما دامت الحيضة التي طلقها فيها والمسألة متكررة في آخر الرسم من سماع أشهب.

.مسألة غاب عن امرأته فعرف موضعه أيضرب لامرأته أجل المفقود:

وسئل مالك عمن غاب عن امرأته، فعرف موضعه، أيضرب لامرأته أجل المفقود؟ قال: لا، ولكن يكتب إليه فيها، قيل له: فإن بعث إليها بنفقة وأقرها قال مالك: أما الحين فإني أرى ذلك له، وإن طال ذلك لم يكن له أن يبعث إليها بنفقة، ويحتبس عنها. قيل له: أفلذلك وقت؟ فقال: ما سمعت، ولكن إذا طال ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الغائب إذا عرف موضعه، فليس بمفقود فإن احتبس عن امرأته كتب إليه، إما أن يقدم عليها، وإما أن يحملها إليه، وإما أن يفارقها على ما جاء عن عمر بن عبد العزيز، وقع ذلك له في الإيلاء من المدونة، وفي رسم شهد من سماع عيسى من هذا الكتاب، فإن لم يفعل وطال الأمر طلق عليه؛ لأن ذلك من الإضرار بها.
وقد قال عز وجل: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231]، ولم يحد هاهنا حدا في الطول. وقال في رسم شهد المذكور: إن السنتين والثلاث في ذلك قريب، وليس بطويل. وهذا إذا بعث إليها بنفقة، وأما إن لم يبعث إليها بنفقة ولا علم له، قال: فإنها تطلق عليه بعد الإعذار إليه والتلوم عليه، وأما إن علم أنه موسر بموضعه، فيفرض لها النفقة عليه تتبعه بها، ولا يفرق بينهما. هذا ظاهر قول ابن حبيب في الواضحة. ومعنى ذلك ما لم يطل على ما قال هاهنا، والله أعلم.

.مسألة طلق امرأته وله منها ثلاثة أولاد رجال:

ومن كتاب اغتسل على غير نية:
وسئل مالك عن رجل طلق امرأته وله منها ثلاثة أولاد رجال، فنكحت بعده رجلا، فولدت له ولدا، ثم نازع زوجها الذي فارقها ولده منها، فقال لقوم شهدوه: أشهدكم أنهم ليسوا لي بولد، فقال ابنها من غيره: آخذك بحق أمي وقد قذفتها، وطلبت الأم ذلك، وعفا بنوه عن ذلك، قال مالك: أرى أن يحلف بالله ما أراد قذفا، ولا قال ذلك إلا على وجه أنه يريد ولو كانوا ولدي ما صنعوا كذا وكذا، كمثل الرجل يقول لخادمه: لو كنت لي خادما ما فعلت كذا وكذا، فإذا حلف لم أر عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في كتاب القذف من المدونة وزاد فيها ابن القاسم، فإن لم يحلف ضرب الحد، وهو تمام المسألة. وإن حلف لم يكن عليه شيء؛ لأنه كلام إن لم يرد به القذف فليس بسب واختلف في الكلام المتردد بين السب والقذف، مثل أن يقول له: يا خبيث، ويا ابن الخبيث، فقال أشهب: يحلف أنه ما أراد بذلك القذف فإن حلف نكل، وإن نكل حد. وقال ابن القاسم في المدونة ينكل حلف أو لم يحلف، يريد، ويكون تنكيله، إذا لم يحلف بعد السجن أشد، واضطرب قوله في هذا الأصل، وبالله التوفيق.

.مسألة المحرم يراجع امرأته:

وقال مالك: في المحرم: إنه يراجع امرأته ما دامت له عليها الرجعة، فأما المختلعة، والمباراة، ومن لا رجعة له عليها من النساء، فلا يراجعها المحرم؛ لأن ذلك نكاح جديد.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه؛ لأن المطلقة واحدة باقية في العصمة، ما لم تنقض العدة، فليس الارتجاع بعقد النكاح، وإنما هو إصلاح للثلم الذي أوجبه الطلاق فيها، وبالله التوفيق.

.مسألة امرأة المفقود تتزوج قبل أربع سنين:

وسئل عن امرأة المفقود تتزوج قبل أربع سنين، قال: يفرق بينهما، فإذا انقضت عدتها أنكحها إن أحب ذلك، عندي مثل المتوفى عنها زوجها، ولا المطلقة، إذا أنكحها قبل انقضاء العدة، ثم دخل بها؛ لأن امرأة المفقود تتزوج في أربع سنين مخالفة لهما. وإني أرى أن يكون في هذا عقوبة من السلطان، لامرأة المفقود وناكحها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه ليس بمتزوج في عدة، إلا أن ينكشف أن نكاحه وقع في العدة، وقد دخل بها، فتحرم عليه. وقد مضى هذا المعنى والقول فيه مجودا في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب النكاح.

.مسألة تصالح زوجها على رضاع ابنه ونفقته إلى فطامه فتحتاج ولا تجد ما تنفق عليه:

ومن كتاب البر:
وسئل مالك عن المرأة تصالح زوجها على رضاع ابنه ونفقته إلى فطامه، فتحتاج، ولا تجد ما تنفق عليه. قال مالك: يكلف الأب نفقته، قال ابن القاسم: ويتبعها إن أيسرت.
قال محمد بن رشد: قد روي عن ابن القاسم: أن لا يتبعها بشيء، رواه أصبغ عنه في الموازية، وعيسى في المدنية، والقياس أن يتبعها؛ لأن النفقة قد وجبت عليها بالصلح، فهو في إنفاقه عنها كالحميل إذا أدى، يرجع بما غرم، وإنما قال: إنه لا يتبعها استحسانا من أجل أن النفقة واجبة عليه في الأصل، وإنما ألزم ذلك إياها من أجل ذلك، لا من أجل أنه حميل بها، إذ لم يتحمل بشيء. والمسألة متكررة في سماع أشهب من كتاب التخيير. وقد مضى القول على هذا المعنى في سماع سحنون من كتاب النكاح، والحمد لله.

.مسألة يوسع على اليتيم في نفقته:

قال مالك: أرى أن يوسع على اليتيم في نفقته. وكان ربيعة يقول ذلك، ويقول: هو أثبت لهم، إذا طابت أنفسهم، وأحسن إليهم. قال مالك: ولا ينظر إلى صغره فرب كثير أكثر نفقة من كبير، قال مالك: وكان سالم بن عبد الله له خريطة كبيرة ليتامى له، فلا يختم عليها يجعل فيها كل شيء لهم من فضل تقطيع ثوب أو دينار أو درهم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، ينبغي أن يوسع عليهم في الإنفاق على قدر أموالهم من غير إسراف. قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، وقال عمر بن الخطاب: إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، وبالله التوفيق.

.مسألة عدة الوفاة من اللائي يئسن من المحيض واللائي لم يبلغن المحيض:

قال: وقد كان من قول مالك في عدة الوفاة من اللائي يئسن من المحيض، واللائي لم يبلغن المحيض، أن تعتد المرأة منهن إلى مثل الساعة التي توفي فيها زوجها أو طلقت فيها، ثم قال بعد ذلك: أرى أن يلغى بقية ذلك اليوم. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يلغى ذلك اليوم، فإن امرأة تزوجت بعد الوقت الذي هلك زوجها فيه، أو طلقها، لم أر أن يفسخ؛ لأنها قد استكملت الذي قال الله في كتابه وتزوجت بعده.
قال محمد بن رشد: قول مالك الأول، هو القياس، إذ لا اختلاف في أنه يجب عليها أن تبتدئ العدة من الساعة التي طلق فيها زوجها أو توفي عنها، ولا يصح لها بإجماع، أن تلغي بقية ذلك اليوم فتبتدئ بالعدة من عند غروب الشمس، فإذا وجب عليها بإجماع أن تبتدئ بالعدة من تلك الساعة، وتجنبت الطيب والزينة من حينئذ، إن كانت عدة وفاة، وجب أن تحل في تلك الساعة من النهار، وبقاؤها إلى بقية النهار، زيادة على ما فرضه الله عليها.
ووجه القول الثاني أن السنة والشهر واليوم، لما كان أول كل واحد منها غروب الشمس عند العرب، بخلاف العجم. وأجمع أهل العلم لذلك، أن من نذر اعتكاف يوم، يبدأ من أول الليل، رأى أن تبتدئ المعتدة بعد أيام عدتها من عند غروب الشمس، فمعنى قوله: أرى أن تلغي بقية ذلك اليوم، معناه، تلغيه في حسابها، لا أنها تكون فيه غير معتدة. فإن تزوجت المرأة على قول مالك الثاني، بعد الوقت الذي هلك زوجها فيه، وقبل غروب الشمس، فسخ نكاحه. وقول ابن القاسم قول ثالث في المسألة، استحسان مراعاة للاختلاف، وقد مضى في سماع سحنون من كتاب النذور ما يزيد هذه المسألة بيانا، والله الموفق.